الارشيف / ثقافة

يا لهذه الصورة .. والحزن الذي تسكبه على قلوبنا

في قاعة انتظار الرجال، بعيادة الجراحة في المستشفى السلطاني كنت أنظر إلى الصورة التي تزين جدار القاعة، وأتأمل جيدًا في ملامح الشخص الشامخ فيها، أشعر من نظرته الحنونة نحوي، أنه قريب مني، وكأني به يخرج من إطار الصورة ليربت على كتفي، ويسألني عن حال عمان، وأهلها، وكيف غدت من بعد رحيله…

لا يمكنني أن أفارق صورة جلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – من مخيلتي، ويعجزني أن أصرف التفكير عنه إلى شأن آخر، فقد ولدت كحال الكثير من أبناء هذا الوطن العزيز والسلطان قابوس يشيد في كل مكان صروح النهضة الحديثة، وعجلة التنمية تصل السهل والجبل، المدينة والقرية، الفيافي والصحاري.. وحيثما وجد الإنسان كانت يد التنمية تصل إليه بما يحتاجه لحياة كريمة هانئة وعيش رغيد..

لم نعرف عمان كيف كانت قبل أن يأتي إلينا السلطان قابوس، لكننا سمعنا وقرأنا عن الحال التي كانت عليها، وعرفنا كيف قاسى آباؤنا وأجدادنا ضنك العيش، وقسوة الحياة، بجانب محدودية المدارس والمستشفيات.

كانت قائمة الممنوعات تتجاوز كل الحدود، بدءا من السفر وحتى ارتداء النظارات، والاستماع إلى الإذاعات الأجنبية، حيث لا إذاعة ولا تلفزيون ولا صحافة يعرفها الناس حينذاك، كان التشرذم يفتت جسد الوطن الكبير، ويقسم البشر والحجر، وكانت العزلة والانغلاق عن العالم، تحجب الرؤية بين الداخل والخارج، فيما كان الفقر والبؤس يطغى على كل مناحي الحياة.

جاء السلطان قابوس إلى سدة الحكم، فتنفس الشعب الحرية والحياة، وشعر بكيانه وقيمته بين دول العالم، واستعاد حضارته وأمجاده، وغدت عمان واحدة من الدول المؤثرة في السياسة الدولية، يلجأ إليها الخصوم ليجنحوا إلى السلم، وينهل القادة والزعماء من معينها الحكمة وفصل الخطاب.

عرفنا السلطان قابوس نحن أبناء النهضة العمانية الحديثة من طابور الصباح، وتحية العلم، ومن الصفحة الأولى في الكتاب المدرسي، ومن حصص الدراسة، تعرفنا على يوم النهضة المباركة، وعلى العيد الوطني المجيد، وشاركنا في أفراح الوطن، وهو يتغنى بانجازات القائد، وحين زمن كنا نقف طوابير ممتدة على الشوارع والطرق، ننتظر موكب السلطان لننثر الورد والرياحين على مركبته وهو يلوح لنا بيديه الكريمة، ما يجعل المشهد محفورا في مخيلتنا سنوات وسنوات.

وحين كنا نشاهد صورته في نشرة أخبار العاشرة في التلفزيون، كنا نقفز فرحا، ونتسمر قبالة الشاشة، نود لو نحتضن المشاهد التي يظهر فيها، وتتوقف عدسة التصوير لنشبع من رؤية الصورة، ونعيد المشهد مرات ومرات.

كنا نقلد قائد طابور الاستعراض العسكري، في التحية العسكرية التي يؤديها عند المقصورة السلطانية، ويستأذن ببدء فعاليات العرض العسكري، وما كنا نمل من إعادة المشهد مرات ومرات.

غنينا مع عبدالله الصفراوي، “لتهنأ بما حزت من منصب”، وترنمنا على ألحان السيد خالد بن حمد “تزهو بك الأعوام عاماً بعد عام”، وكنا نعانق المجد، ونحن نؤدي الرزحة مع صلاح الزدجالي “بك لمسنا سيدي العطى عظيم شموس.. بك رجع لعمان عزها وماضيها”، وعلى غيم السماء أنشدنا “قابوس أبونا، عزنا وفخرنا”.. أما “صوت النهضة”، فله عشق خاص، نستعيد كلماته في كل مناسبة، كنا نذهل من التجسيد البليغ لشواهد النهضة في هذا الأوبريت الذي كتبه الأديب عبدالله الطائي مطلع السبعينات، والنهضة العمانية الحديثة تشق أولى خطواتها.

أحببنا السلطان قابوس، لأنه احبنا، لم نتصور يوما “عمان” بدونه، كنا نفتش عن اسمه بين الأخبار، ونتحين اطلالته، كلما زارنا ضيف رفيع المستوى، أو هلت علينا مناسبة وطنية، وكنا نتشوق إلى حديثه في كل عام.. كانت احتفالات الأعياد الوطنية موعدا سنويا مع اطلالته الكريمة، وكلماته السامية، كم زهونا وهو يخاطبنا “أيها المواطنون الأعزاء”، “شعبنا العزيز”، كنا نرتاح لسماع صوته، وتذرف أعيننا فرحا لرؤيته في صحة وعافية، وكانت أكفنا حينئذ ترتفع إلى السماء، وتدعو العزيز القدير “أن يحفظ لنا جلالة السلطان”.

وكلما يمّمنا شطر بلد ، كانت أبواب الدخول في المطارات تفتح مرحبة بنا، نسمع قبل أن يختم موظفو أمن المطارات جوازات سفرنا، ترحيبا بالغا، واستقبالا حافلا، “أهلا بأبناء قابوس”، “أهلا بالكرام العرب”، كان الجميع يبدي اعجابه “بالشعب العماني الأصيل”، وينثر المدائح والتماجيد، وفي حضورنا بينهم كان الكل يتمنى أن يكون “عمانيا”.

وحين حلق الطائر الميمون ذات يوم من أيام يوليو من عام 2014م، حلقت قلوبنا وأفئدتنا معه، وكنا معه بكل جوارحنا، لا نهنأ لحظة حتى نسمع خبرا عنه يطمئننا، ويعيد الحياة إلى اجسادنا المنهكة، استبشرنا بإطلاته علينا في نوفمبر المجيد، وهو يبعث التحية لنا، “وبلدنا العزيز في هذه الأيام المباركة على مشارف الذكرى الرابعة والاربعين لمسيرة نهضته الظافرة”، اخبرنا وهو الشاكر لله على فضله، “ان هيأ لنا من النتائج الجيدة ما يتطلب منا متابعتها حسب البرنامج الطبي خلال الفترة القادمة”.

كانت عودة جلالة السلطان قابوس إلى أرض الوطن العزيز، “مكللاً بفضل الله تعالى بتمام الصحة والعافية، بعد استكمال برنامجه الطبي في جمهورية ألمانيا ونجاح نتائجه بشكل تام” عيدا لنا، انضم إلى اعيادنا الوطنية، فهلَّت بشائر الفرحة والسرور ربوع بلادنا، واقمنا الأفراح والمسيرات، ولهجت ألسنتا بالشكر والثناء للخالق عزوجل أن أنعم على سلطاننا، وقائد مسيرتنا بالصحة والعافية..

وفي كل ظهور له، كنا نتبادل التهاني، ونملأ مواقع التواصل الاجتماعي فرحا، دون أن نخفي القلق عليه، وتساورنا المخاوف على صحته، لكنه كان شامخا في كل إطلالة له، كان يضع حينا حجر الأساس لمشروع يخلد “عمان عبر الأزمان”، ويشاركنا فرح “العيد الوطني المجيد”، ويستقبل ضيوف السلطنة، وكان في كل مرة يترأس مجلس الوزراء الموقر يستهل “الاجتماع بالتوجّه إلى الخالق عزّ وجل بالحمد والشكر والثناء على نعمه، سائلاً المولى عزّ وجل أن يُديم هذه النعم على البلاد”..

كان السلطان قابوس يتلمس احتياجاتنا، ويرعى مصالحنا، كانت أياديه البيضاء تجري على الصغير والكبير، القريب والبعيد.. كان سمحا، كريما معطاء، لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، لقد أحبه الناس جميعا، وأحبه العالم.. وكذلك أحببناه نحن.

كانت صورته التي أراها الآن محفورة في القلوب، قبل أن تكون معلقة على الجدران، أو مرسومة على الأوراق، كان الطفل الصغير، ينطق حين رؤيته فرحا “قااااابوس”، وكذلك كانت الأم العجوز، والرجل الأشيب، يذكرون فضله في كل حين، فقد كانوا “غاليين عند قابوس”.

أنظر للصورة مرة أخرى، وعيناي تدمع، أنا الذي فزعت مذعورا من نومي على بيان عاجل بثته قنوات التلفزيون قبيل فجر السبت 11 يناير 2020م، فقد نعى ديوان البلاط السلطاني “المغفور له – بإذن الله تعالى – مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور المعظم الذي اختاره الله إلى جواره مساء يوم الجمعة بتاريخ الرابع عشر من جمادى الأولى لعام 1441هـ الموافق العاشر من يناير لعام 2020م بعد نهضة شامخة أرساها خلال خمسين عاماً منذ أن تقلّد زمام الحكم في الثالث والعشرين من شهر يوليو عام 1970م وبعد مسيرة حكيمة مظفرة حافلة بالعطاء شملت عُمان من أقصاها إلى أقصاها، وطالت العالم العربي والإسلامي والدولي قاطبة، وأسفرت عن سياسة متزنة وقف لها العالم أجمع إجلالا واحتراما”.

لقد مات “أعز الرجال وأنقاهم”، نحن الذين تصورنا أن “أعز الرجال” لا يموت، لكنها إرادة الله تعالى، والله يحكم لا معقب لحكمه.

كانت صورة السلطان تناظرني، أنا الذي سكبت الدمع، وما عدت أهتم بما قاله الطبيب حين دخلت عليه، سمعت بضع كلمات منه، وخرجت.. خرجت إلى عمان المكلومة مثلي برحيل السلطان قابوس، كان الطريق من المستشفى السلطاني يأخذني نحو شارع السلطان قابوس، والجامع الأكبر يحاذيني، وكنت حين ذاك أخلط الدمع، وأنا أبتهل إلى الله تعالى أن يرحم من كان للطفل عونا، وللشاب سندا، ولكبير السن غوثا.. رحم الله السلطان قابوس فقد صار لنا في عهده شأنا بين الأمم.

خلفان الزيدي
@khalfan74

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا